محمد بن محمد حسن شراب
384
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
الذي نصبها ، وهو فعل مضارع لم يسبقه ناصب ؟ فقال سيبويه وآخرون : إن الفعل منصوب ب « أن » مصدرية محذوفة ، وعلامة نصبه الفتحة ، مع أنهم يقولون : إن دخول « أن » على خبر « كاد » ضرورة في الشعر ، فالحذف ضرورة بعد ضرورة . والذين يتأولون كلام سيبويه دائما ؛ ليكون صحيحا قالوا : إن الشاعر أجرى « كاد » مجرى « عسى » ، و « عسى » تدخل « أن » في خبرها . وقال آخرون : إن الفتحة للبناء ، فالفعل مبني على الفتح ؛ لاتصاله بنون توكيد خفيفة ، ثم حذفت « النون » ، وأصله « أفعلنه » ، وفي هذا التخريج توكيد الفعل بدون سبب موجب ، أو مجبر للتوكيد . وقال المبرد : أصله : « أفعلها » ، فالفعل مرفوع ثم حذف « الألف » ، ونقل حركة « الهاء » لما قبلها . قلت : وتخريجاتهم كلها باطلة تقوم على الوهم ؛ لأنهم لم يسمعوا هذا الشعر من صاحبه ، ولا تحققوا أن البيت قاله ذاك العربيّ ، فقصة امرئ القيس فيها كثير من الخلط والتخليط ، وهي بعيدة عن زمن الرواية ، ونحن نقول : ربما زاد أحدهم هذا البيت ؛ لغرض في نفسه ، وأراد أن يماحك النحويين ، ويوقع البلبلة بينهم ، وربّما قال هذا الشعر المنسوب إليه حقا ، ولكنه وقع في الوهم فنصب . وإنني ليشتد عجبي من النحويين الذين يلتمسون الأعذار لشعر لا يعلم من سمعه من صاحبه ، وهم ينقضّون كالضواري على نصّ حديث نبويّ ، أو قراءة من القراءات ، ويصفون رواة الحديث والقراءات بما لا يليق من أوصاف ، مع أن الزمن بين رواية الحديث وتدوينه كانت قصيرة ، بل الزمن بين الصحابة وتدوين اللغة والنحو ، ليس بشاسع كما هو بين قول الشعر واستنباط النحو . مع العلم أن الحرص على لفظ الحديث والقراءات أشدّ من الحرص على لفظ الشعر ، ولكن يظهر أن الخصومة هي التي أفرزت هذه الأحكام ، فأهل الحديث لا يثقون برواية أهل اللغة ، وقلّما تجد راوي شعر أو لغة موثقا في رواية الحديث ، فأراد اللغويون أن يكيلوا الصاع صاعين ، فقالوا ما قالوا ، ولو أنهم أنصفوا ، لكانت القراءات والأحاديث مقدّمة على رواية الشعر ؛ لأنها أحدث عهدا وأقرب زمنا ، ورواة الحديث والقراءات أوثق وأصدق ، واللّه أعلم . [ كتاب سيبويه ج 1 / 155 ، والإنصاف ص 561 ، والهمع ج 1 / 58 وج 2 / 17 ، والأشموني ج 1 / 261 ، واللسان « خبس » ] . ( 521 ) مزّقوا جيب فتاتهم لم يبالوا حرمة الرّجله البيت منسوب لطرفة بن العبد . واستشهدوا بالبيت على أنه قد جاء عن العرب ، « رجله » ، ب « التاء » ؛ للفرق بين جنس المذكر والمؤنث . [ شرح المفصل ج 5 / 98 ، واللسان « رجل » ] .